في العدوان الإسرائيلي والداخل اللبناني

رغم أنه زمن المحنة والاختبار، لكن سيكون من المجدي، ولأكثر من غاية، أن نعرض لهذا الموضوع، لتقال الأمور كما ينبغي، ولتكون النتائج واللوازم على قدر من الوضوح، لمن بقي لديه شيء من شبهة أو عماية.
وسأعمد إلى تقسيم مقالتي إلى قسمين، يتناول الأول منها توصيف الواقع من حيث غاية المقالة، فيما يتناول الثاني النتائج التي تترتب على تلك الوقائع التي يتضمنها هذا التوصيف.
في القسم الأول، وبمعزل عن الأسباب المباشرة، فإنّ ما آلت إليه الأمور، قد كان من فوائده أنه كشف عن مخبوء العدو الإسرائيلي، الذي رفع سقف أهدافه إلى حدّ الحديث عن تدمير المقاومة، والقضاء عليها، ونزع سلاحها، وتغيير الواقع الأمني والسياسي في لبنان، وصولاً إلى الحديث عن تغيير وجه الشرق الأوسط، عندما أُخذ بنشوة بعض الإنجازات فطاش لبّه، وأسرف في وهمه، وهو ما أظهر حقيقة نواياه ومخططاته تجاه لبنان والمنطقة، ما يعني أن حبس البحث في هذا السبب المباشر أو ذاك للعدوان، فيه الكثير من القصور أو التضليل، إذ إن من لديه هذا السقف العالي من الأهداف، لن تعوزه الأسباب المباشرة والذرائع، عندما يجد أن مصلحته قد آنت في العمل عليها.
وما يعنينا في هذا الموضوع ما يرتبط بالداخل اللبناني، إذ سرعان ما عملت بعض القوى والنخب فيه، وتحديداً تلك التي تملك مشروعاً يتخادم والمصالح الإسرائيلية والغربية، إلى ملاقاة العدوان الإسرائيلي على لبنان والمقاومة، والتناغم معه في عدوانه، والمشاركة في تحقيق أهدافه، إذ يمكن أن يشار إلى ثلاثة أبعاد في هذا السياق:
الأول: سياسي، حيث سارعت إلى استثمار ما توهمته تحولاً في الحرب لمصلحة إسرائيل، لتقطف ثماره في تحقيق مشروعها في لبنان دستورياً وسياسياً وأمنياً وسوى ذلك، لتستعيد ما كانت عليه من هيمنة على النظام اللبناني ومؤسساته قبل عقود خلت.
الثاني: إعلامي، ويتمثّل في الحرب الخبيثة التي تشنّها بعض وسائل الإعلام اللبنانية ـــ والخليجية والسعودية بشكل خاص ـــ على المقاومة وبيئتها: إرجافاً وفتنةً وترويجاً لسرديّة الاحتلال، ولكلّ ما تعتقد أنه يمس بمعنويات هذه المقاومة وأهلها.
الثالث: اجتماعي، ويتمثل في ممارسة شتى أنواع الضغوط على بيئة المقاومة، بهدف الضغط على المقاومة نفسها، وصناعة القرار لديها، حتى وصل الأمر بهؤلاء إلى محاولة تأليب الرأي العام المناطقي على النازحين، عبر إثارة المخاوف من وجودهم على أمن تلك المناطق وأهلها.
وهنا لا بد من طرح بعض الأسئلة:
كيف يمكن تفسير هذا التماهي بين مشروع هذه القوى في لبنان، وبين المشروع الإسرائيلي فيه؟
كيف يمكن تفسير هذا التكامل وهذه الملاقاة، بين أهداف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وبين أهداف هذه القوى والنخب من حربها وعدوانها على المقاومة وبيئتها؟
كيف يمكن تفسير الدعوة إلى طروحات إقصائية طائفية في هذه الظروف الشديدة، تستثمر العدوان الإجرامي على لبنان لعزل أحد المكونات الأساسيّة فيه، وتحجيم حضوره السياسي وغير السياسي، في الوقت الذي يدافع فيه عن وطنه، ويبذل أغلى ما لديه لحماية سيادته؟
كيف يمكن تفسير حملة الضغوط الممنهجة ــــ على اختلافها ــــ على المقاومة وبيئتها، في زمن الحرب عليها، والإيغال في دمها؟
كيف يمكن تفسير هذا الاستلاب والتعامل مع تلك الجهات الخارجية، التي تعمل على توظيف الداخل اللبناني للضغط على المقاومة وبيئتها؟
كيف يمكن تفسير هذا الاستبسال الذي يبديه البعض لتجريد لبنان من عوامل القوة لديه، التي تزعج الكيان الإسرائيلي وتقلقه؟
كيف يمكن تفسير هذه الحرب الإعلامية التي تتسم بكثير من اللؤم والعدوانية، والمعلنة بكل صلافة على المقاومة ومجتمعها؟
كيف يمكن تفسير هذا الإرجاف الذي يستهدف بيئة المقاومة وأهلها؟
كيف يمكن تفسير هذا التحريض الخبيث على النازحين من أرضهم ودورهم، واستهدافهم بالفتنة الطائفية، وإشاعة الأخبار التي تهدّد السلم الأهلي ودوامه؟
كيف يمكن تفسير هذا الانحياز الفاضح إلى العدوان الإسرائيلي على لبنان وأهله في زمن الشدة والمحنة، وبخطاب ومشاريع ووسائل تفتقد لأي بعد وطني أو حسٍّ أخلاقي؟
إن هذه الأسئلة لا تتصل بالكثير الكثير من أهلنا في لبنان، من بقية المناطق والطوائف، الذين كانوا ــ وما زالوا ــ على مستوى راقٍ جدّاً من الالتزام الوطني، والحسّ الأخلاقي والبُعد الإنساني
إن هذه الأسئلة لا تتصل بالكثير الكثير من أهلنا في لبنان، من بقية المناطق والطوائف، الذين كانوا ــــ وما زالوا ــــ على مستوى راقٍ جدّاً من الالتزام الوطني، والحسّ الأخلاقي، والبُعد الإنساني، الذين ــــ وإن كان هناك أكثر من اختلاف في السياسة وغيرها ــــ وفي لحظة العدوان الخارجي على لبنان، تقدّمت وطنيتهم، وعلت إنسانيتهم، وبان من خلقهم أنبله وأسماه، فلهم كل الشكر والتقدير.
كما لا تتصل حتى بأولئك الذين عاينوا الحدث من جهة بعض مصالحهم المناطقية أو الاقتصادية، لكنهم لم ينزلقوا إلى المشاركة في العدوان، أو التعامل مع المقاومة وبيئتها بشيء من العداء.
إنّ هذه الأسئلة وغيرها تتجه حصراً إلى أولئك الذين انحازوا إلى الكيان الإسرائيلي وإجرامه، وكانوا ــــ وما زالوا ــــ جزءاً من حربه وعدوانه، وارتضوا أن يشنّوا حملتهم الشعواء على المقاومة وأهلها في الوقت الذي يشنّ فيه هذا العدو المجرم أشرس حرب عليها، ويرتكب المجازر بحقّ أبنائها ونسائها وأطفالها، ويدمّر بيوتها وعمرانها، ويسعى إلى إبادتها أو تهجيرها، ويهدف إلى إيلامها وكسر إرادتها، ويهلك الحرث والنسل لديها.
لهؤلاء القول: أنتم أعوان الظلمة، وصنو الإجرام، وبعضٌ من هذه الحرب والعدوان، أنتم تشركون في دمنا، وتعينون على قتلنا، وتغرون العدوّ بنا، وليس هناك ــــ على الإطلاق ــــ ما يبرر فعالكم في أن تتماهوا مع هذا العدوان على لبنان وشعبه وأبنائه، وأن تعينوا على النيل منهم، وأن ترضوا بقتلهم، وأن تفرحوا لألمهم، ويغيظكم نصرهم، وأن تكونوا أداة للإرجاف بهم، والحرب النفسية عليهم، وممارسة التحريض بهدف أذيتهم، وتأليب مواطن النزوح عليهم.
إنّ ما يحصل ــــ رغم شدّته ــــ يكشف زيف دعوتكم إلى بناء الدولة، وأنتم بفعلتكم هذه تهدمون البنى المجتمعية لقيامها، ويفضح نفاقكم في دعوى السيادة، وأنتم تصطفون في فسطاط من يعتدي على عفّتها، لقد فضحت الحرب أحدوثتكم، ومن جميل الحرب أنّها تكشف الخبايا، وتفضح المستور؛ فهل من الوطنية بشيء إعانة العدو على تحقيق أهدافه؟ وهل من الأخلاق في شيء أن تشركوا في إجرامه؟ وهل من الإنسانية في شيء أن تعينوا ــــ ولو بكلمة ــــ على مجازره وعدوانه؟
لقد كانت الحرب اختباراً لوطنيتكم، ولصدق أحدوثتكم في الدولة والنوح عليها، والسيادة ورفع قميصها، وبان لذي عينين أن هذا كله لم يكن إلا كلمة حق يراد بها باطل؛ أنتم تريدون الهيمنة على لبنان وقراره ومؤسساته، ورميه في محور التبعية الأميركي الإسرائيلي، وإلحاقه في مشاريع التطبيع والاستلاب، وهذا مجرد وهم لديكم، يعاني من لوثة الانفصام عن الواقع، والتحليل بالأمنيات، والقراءة بمنطق الغلبة والأحقاد.
والعجيب ــــ ولا عجب منهم ــــ أنه في الوقت الذي ينادي البعض بالحياد، ويهتف به ليل نهار، تراه ينحاز إلى عدو وطنه، عندما تغدره الأمنيات، بأن قد آن أوان وصلها.
في النتائج: السؤال الذي يطرح، أن هذه الشراكة الداخلية مع العدوان الإسرائيلي على لبنان ومقاومته وبيئتها، ما الذي سيترتب عليها؟
هنا يمكن الإشارة إلى ما يلي من نتائج:
1. التمسك بشكل أقوى بنهج المقاومة، والحرص أكثر على سلاحها، وعناصر القوة لديها كافة.
2. إعادة بناء جميع عوامل القوة لدى المقاومة وبيئتها، ومراكمة الكثير منها، وأضعاف ما كان في حوزتها.
3. التشدّد إلى حدّ بعيد في كل ما له علاقة بالأمن القومي اللبناني، وأمن المقاومة وبيئتها، أمام كل المساعي التي تقوم بها جهات خارجية، مستغلة نفوذها في لبنان لتجييره لمصلحة الكيان الإسرائيلي وعدوانه؛ وأيضاً العمل بقوة لحماية السيادة اللبنانية، وتحديداً في وجه حلفاء الكيان الإسرائيلي وشركائه، الذين يوظفون جميع إمكاناتهم لخدمة العدو وأهدافه.
4. الوقوف بكلّ قوّة أمام أي محاولة لإلحاق لبنان بمحور التبعية لأميركا وإسرائيل، ومشاريع التطبيع لخدمة الكيان الإسرائيلي ومخططاته.
5. التعامل بطريقة مختلفة ـــ عمّا كان عليه الحال سابقاً ـــ مع أي شراكة داخلية في العدوان على المقاومة وبيئتها، إذ فرق بين الاختلاف في الرأي والرؤى تحت سقف الوطن والقيم الوطنية، وبين الشراكة مع العدوّ الإسرائيلي في العدوان على لبنان ومقاومته وأهلها، فهنا لن يكون من تساهل، ولا يصحّ أن يكون، ولن يكون مقبولاً العبث بدمائنا وكرامتنا ووجودنا، وملاقاة العدوان علينا، عبر تلك الحملة الممنهجة إعلامياً وسياسياً واجتماعياً على المقاومة وبيئتها، للمساعدة على تحقيق أهدافه، واستثمار مجازره وإجرامه.
في المحصّلة: سوف تخيب أماني من كان في الداخل اللبناني من طينة الاحتلال وعلى شاكلته، وسيشهد الجميع فشل العدوان في تحقيق مخططاته وأهدافه، وكما استطاعت المقاومة أن تستعيد ــــ في فعل أقرب إلى المعجزة ــــ زمام المبادرة في الميدان، ستفاجئ وبيئتها الداخل والخارج بقدرتها على إعادة البناء، وترميم القدرات، وسيرى القاصي والداني أنها خرجت أصلب عوداً، وأقوى حضوراً، مما كانت عليه، وأنها ستبني على تجاربها، وتستخلص ما يفيد القادم منها، وستعيد بناء العمران، وستكون وفية لجميع اللبنانيين من وقف معها، وخصوصاً بيئتها ومجتمعها، حيث سيعود النازحون إلى قراهم وديارهم بعزة وكرامة، وستحيل المقاومة وبيئتها ما كان تهديداً إلى فرصة جادّة لمزيد من التحصين للبنان، وإعادة بنائه، وتحريك اقتصاده والنهوض به، والتأكيد على السلم الأهلي، والتوافق الوطني، والوحدة والتعاون بين طوائفه وأبنائه.
* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية
